الأربعاء، 3 نوفمبر 2010

مصر لم تعد محروسة... انقذوها



القدس العربي 19/8/2010
مصر لم تعد محروسة... انقذوها
ابراهيم يسري
8/19/2010

http://www.alquds.co.uk/today/18qpt19.jpg

معذرة يا سادة فكاتب هذه السطور مواطن مخضرم ينتظر الانصراف، عاش عصر العهد الملكي والحقبة الناصرية وما تلاها حتى الآن، وكانت مصر على الدوام تعاني من المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولكن جهود الإصلاح كانت قادرة على مواجهة المشاكل ووضع حلول لمشاكلها وكشف خبايا الفساد السياسي والمالي على وجه الخصوص، كانت هناك دائما ديناميكية بين الحكام والمعارضة بين قوى الإصلاح وقوى الفساد، استطاعت تحجيم الفساد احيانا والقضاء عليه في حالات عدة. كان الفاسدون والمتربحون يمارسون نشاطهم في حياء وخوف، وكان حجم ربحهم صغيرا خجولا في العهد الملكي، وصغيرا مذعورا في الحقبة الناصرية وكنا نقابل ذلك بنوع من الثقة في اصلاح الأحوال معتمدين على مقولة وتقليد قديمين بان مصر محروسة لن تضار لأن الله يحميها.
ولكن انقلب الحال بعد ذلك فاصبحت قوى الاستغلال والتربح اكثر قوة وأشد رسوخا لاستطاعتها تأمين علاقات قوية بينها وبين دوائر صانعي القرار، فتوارى الدستور وانحنى القانون أمام جبروتهم، فأصبح الطغيان حقا مشروعا بلا حدود، واصبح التربح فاجرا فقفز من عشرات الألوف الى عشرات المليارات، واصبح التكسب هبرا بلا رحمة ولا حياء .
لذلك لاحت مشاعر الخوف والقلق على شؤون المحروسة بل على وجودها ذاته. فشهدنا تدهورا كبرا في كافة المجالات الخارجية والداخلية، ولا نريد أن نعددها فقد فصلتها مقالات وصيحات في الصحف والندوات وفي طلبات الإحاطة والاستجوابات، فاصبحت مصر القوية القادرة المؤثرة في علاقاتها الخارجية قزما ينافس جمهوريات الموز، وخرجت من عالمها العربي وفقدت مكانتها في افريقيا، أما في الداخل فقد عانت من تدمير مخيف لكل المرافق والخدمات، من تعليم وصحة وزراعة وصناعة وخلافه، وتآكلت الطبقة الوسطى وارتفعت نسبة من يعيشون تحت خط الفقر الى 40' وأصبح شبابها يتجهون الى الهجرة غير المشروعة مخاطرين بالغرق والسجن، وتهاوت الأخلاق والتقاليد وازدادت الجرائم عددا وبشاعة، وبدت مصر وكأنها تسير بخطى وئيدة الى الانتحار، وتهاوى ايماننا بانها محروسة وقال شاعرنا انها بلاد لم تعد كبلادي.
وفقدت بلادي خلال ثلاثة عقود مياه النيل اكسير الحياة لأهل مصر منذ الأزل، بعد أن خرجت مصر من افريقيا وأصبحت في حالة غير مسبوقة من الضعف والهوان فتجرأت دول صغيرة بدفع من إسرائيل وأمريكا على الانفراد بتقليل حصتنا من المياه، وكانت ردود الفعل المصرية مثيرة للأسى والأسف فقد بقرطة القضية وشكلت ما اسمته لجنة عليا لمياه النيل يرأسها رئيس وزراء ووزراء فاشلون ولا دراية لهم بالموضوع.
ماذا فعلنا لمواجهة ذلك، فهل تغير ما بانفسنا حتى يصدق علينا حكم القرآن الكريم (لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم). ثقوا أن النظام لا يؤمن بأي تغيير ويتوه في وهم أنه ليس هناك أحسن من إدارته وسياسته، ولم يصل صناع القرار بعد الى إدراك أن لهذا الشعب الذي يتسيدون عليه ويتحكمون في مصيره حقوقا ثابتة ينبغي عليهم أن يقبلوها وينحنوا لها، وأنهم خدام الشعب، فهو الذي يأتي بهم ويعفيهم وفق إرادة حرة في انتخابات حرة حقيقية غير مزورة، بل ان اعمدة النظام قد جاهروا بتحدي إرادة الشعب وكأن انتخاب ممثليهم ثم انتخاب رئيسهم هو شأن خاص بالنظام وليس لأحد أن يتحدث فيه، بل استنكر بعضهم طلبا مشروعا هو انهاء حالة الغموض الراهنة ومعرفة مرشح الحزب الوطني للرئاسة، واعتبروا ذلك تجاوزا أخلاقيا، كما قطعوا بما لا مجال للشك فيه بأن الانتخابات سيجريها النظام وفقا للتعديلات الدستورية العرجاء التي جاء بها وفي ظــــل قانون الطوارئ، وكانت انتخابات البلديات ومن بعدها مجلس الشوري فاضحة في تحدي إرادة الشعب وتزييفها، وكان للنظام ابداعاته المتتالية في وسائل التجاوزات الانتخابية. ويلاحظ هنا أن الصراع السياسي على الرئاسة ما زال يقوم على أسس افتراضية، فلم يفصح النظام عن مرشحه، كما لم يتأكد قبول المرشح الشعبي الأكثر حظوة للترشيح لعدم الاستحابة لمطالبه التي يعلم جيدا انها مستحيلة التحقيق.
وعلى الجانب الاخر ابدت بعض النخب والرموز حالة من التخبط وعدم وضوح الرؤية، فلم يذهب سعيهم الى تكوين إرادة جسورة تتصدى للتلاعب في إرادة الشعب، بل نشبت بينهم خلافات قديمة جديدة حول فرعيات قليلة الأهمية من دون حساب للخطر الكبير المدمر الذي ينتظر البلاد في السنوات القليلة القادمة، والأخطر من ذلك أن بعض النخب سارت في طريق الأوهام، متناسية تماما وقوف النظام بكل شدة ضد أي تغير وإفصاحه عن ذلك بصراحة ووضوح، بل إن خريطة مجلس الشعب القادم صارت معروفة داخل النظام ومتوقعة لدى بعض القوى المعارضة، كما أن منصب الرئيس لن يخرج الرئيس وابنه، وبدا للجميع بكل وضوح قوة وتسلط تزاوج السلطة مع رأس المال.
ومما يثير التعجب ابداعات بعض النخب المعارضة ـ وهي ابداعات نبيلة ومتبعة في الدول الديمقراطية الغربية ـ مـــــثل جمع التوقيعات والتوكيلات وهو إجراء بعيد تماما عن البيئة السياسية المصرية ولن يؤدي لدفع النظام لقبول التغيير إلا في حالة افتراض وجـــود ضغط خارجي على النظام وهو أمر يرفضه الجميع، كما يعجز الفــكر السياسي عن تبريــــر تقبل قوى المعارضة لدخول سجال الانتخابات المعــــروفة نتائجه سلفا للخاصة والعامة، وعن تفهم مدلول الدعوة الى انتخابات حرة ونزيهة استنادا لاشراف دولي عليها، بل ان المواجهــــة بين النظام والمعارضة تسير أيضا في طريق الأوهام والافتراضات، فبعــض قوى المعارضة نبعت من مجموعات وطنية ليس لها أساس في شرعيتها بالمعنى الحرفي للقوانين السائدة، وانما تنتزع مشروعيتها من واقع وجودها في الشارع وتجاوب جموع من الشعب معها.
وفي هذا الجو الملتبس تصمم بعض القوى الوطنية على خوض الانتخابات ومنح النظام المحتضر قبلة الحياة واسباغ مشروعية على وجوده لسنوات طويلة قادمة، الأمر الذي يقضي على كل أمل في التغيير ويؤدي الى خروج مصر من الجغرافيا بعد أن شارفت على الخروج من التاريخ. ولعلنا نشير هنا الى ما قررته بعض القوى السياسية في بلد عربي وهو الأردن من مقاطعة الانتخابات ايمانا منها بأن السلطة ستزورها أيا كانت الضـــــمانات التي تتعهد بها. وللأمانة يجب أن نحيي القوي الوطنية المصرية التي ترفض هذه المعركة العبثية التي يتصدرها الآن حزب الجبهة الوطنية.
الأمر الإيجابي المشرق الوحيد في هذا المعترك هو بزوغ جماعات جديدة من الشباب الواعي والوطني ومشاركته المتزايدة في الحراك السياسي، ولكن المشكلة هنا هو افتقادهم للقيادة وعجز النخب عن استيعابهم وافراز زعامة كاريزمية تقودهم، واغلب الظن أن هذه القوى الجديدة ستفرز زعاماتها وتحدد مطالبها وبرامجها بنفسها اذا تركتها النخب بلا قيادة مقنعة ومسيطرة.
ختاما اعذروني، فالتغيير في مصر لن يتم في نظري إلا بأحد طريقين:
الأول: هو الضغط الشعبي الجماعي السلمي الجارف الذي يتواصل ويتصاعد حتى يصل الى العصيان المدني الذي لا يتعارض مع الدستور. وهو أمر لازم وممكن ولا نستند هنا لسوابق اوكرانيا وقرقيزيا، بل الى تجربة شعب السودان الشقيق عندما أسقط نظام ابراهيم عبود.
الثاني: هو الضغط على النظام من الخارج وهو أمر خطير على البلاد ولا بد أن ينصاع النظام الذي يولده ذلك الضغط الى مسارات قد لا تتواكب مع اعتبارات المصلحة المصرية.
انقذوا مصر واحرسوها فهي دعامة للحضارة والخير والسلام في العالم.

'
محام ومساعد وزير الخارجية المصري الاسبق



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق