الأحد، 20 مايو 2012

رؤية وبرنامج انتخابى ودستورى للحق فى الصحة

رؤية وبرنامج انتخابى ودستورى للحق فى الصحة

            نجحت مصر فى ستينيات القرن الماضى فى بناء هيكل صحى اعتبرته منظمة الصحة العالمية ثورة فى العالم الثالث فى مجال بناء هيكل للخدمات الصحية تتضمن بناء هيكل للرعاية الصحية الأولية متمثلا فى الوحدات الصحية والوحدات المجمعة فى القرى ومكاتب الصحة فى المدن، وهيكل للرعاية الثانوية الإكلينيكية تشمل مستشفيات مركزية بكل مراكز المحافظات ومستشفيات عامة بعواصم المحافظات غير مستشفيات متخصصة للحميات والدرن وغيرها. أما هيكل الرعاية الصحية الثالثية أو المهارية المتقدمة فقد تمثل فى مستشفيات جامعية تدعم الجامعات الموجودة والجامعات الجديدة، ومعاهد متخصصة مثل معهد القلب ومعهد الأورام والرمد وغيرها.
            وتوقف التوسع فى هيكل الخدمات الطبية وغيرها منذ عام 1967 نظرا للأعباء الاقتصادية للحرب بعد الهزيمة. ولكن التدهور الشديد فى وضع الصحة تزامن مع الأخذ بسياسات الانفتاح الاقتصادى منذ عام 1974 نظرا للتدهور الشديد فى ميزانية الخدمات الاجتماعية، غير التضخم الشديد الذى أدى إلى الانخفاض الشديد فى القيمة الحقيقية للأجور وبالذات فى الهيكل الحكومى والخدمى وانعكاس كل ذلك على تدهور العمل بهيكل الخدمات الطبية لغياب انضباط العمل فى ظل ضآلة الأجور، والفقر الشديد فى المستلزمات وضعف الإدارة والصيانة والإحلال والتجديد ومتابعة التطورات التكنولوجية الجديدة فى مجال الطب. ويكفى أن نلاحظ أن إجمالى الإنفاق الصحى منسوبا للإنفاق الحكومى العام كان يتراوح بين 2-3% طوال التسعينات من القرن الماضى، وارتفع إلى ما بين 3-4% بين عامى 2000-2005. ثم حافظ مستوى الإنفاق فى السنين التالية وحتى الآن على معدل بين 4-5% ماعدا عام 2009 التى قل فيها عن معدل 4%. وهذا المعدل بالنسبة للناتج المحلى الإجمالى يتراوح كل تلك السنين بين 1% وأقل من 3%. وتتضح ضآلة تلك المعدلات بمقارنتها –ليس فقط بالدول المتقدمة بل حتى بالدول العربية المحيطة بنا، فنحن أقل دولة عربية باستثناء دولة واحدة، ونسبة الإنفاق تافهة إذا قورنت بما تدعو إليه قمة الألفية من ألا يقل الإنفاق الصحى عن 15% من إجمالى الإنفاق الحكومى!
            وكان المخرج الذى طرحته الحكومة للخروج من أزمة الصحة التى أحسها واعترف بها الجميع هو الحل الذى وضعته مؤسسات التمويل الدولية لمصر من خلال خصخصة الخدمات الصحية. وتمثل هذا فى برنامج الإصلاح الصحى الذى وقع عليه وزير الصحة مع رئيس البنك الدولى كممثل لمجموعة المانحين التى تشمل هيئة المعونة الأمريكية والاتحاد الأوروبى عام 1998. ونص البرنامج على خصخصة القطاع الصحى من خلال:
  • تحويل هيئات تقديم الخدمات الصحية بوزارة الصحة (هيئة التأمين الصحى، هيئة المستشفيات والمعاهد العلاجية..الخ) من هيئات خدمية تقدم الخدمات بتكلفتها إلى هيئات اقتصادية ربحية كما تبدى فى قرار إنشاء الشركة المصرية القابضة للرعاية الصحية، وتحويل المستشفيات إلى شركات تابعة لتلك الشركات القابضة لكى تدار على أسس تجارية ربحية ويجوز خصخصتها وبيعها.
  • تحويل التأمين الصحى القادم من تأمين صحى اجتماعى يساوى بين جميع المنتفعين فى حق العلاج من جميع الأمراض (رغم كل نواقصه وعيوبه) إلى تأمين صحى تجارى يفرق بين المواطنين بتبنى حزم علاجية متعددة بحيث يعالج الفقراء من أمراض محدودة ويتمتع الأغنياء بعلاج أمراض أكثر. كما لا يقتصر ما يدفعه المواطن على الاشتراك بل يدفع نسبة من سعر الخدمة تعجز الفقراء عن تلقى العلاج فى الكثير من الأحيان.
وخلال الفترة بين عامى 2005 و2010 دارت معركة سياسية عنيفة بين محاولات الخصخصة وبين قوى الشعب المعارضة لخصخصة الصحة شملت العشرات من الأحزاب والنقابات ومختلف منظمات العمل الأهلى وفى القلب منها لجنة الدفاع عن الحق فى الصحة ونجحت فى وقف مخطط الخصخصة. ومن أهم مكتسباتها النجاح فى الحصول إلى حكم قضائى بوقف تنفيذ قرار إنشاء الشركة المصرية القابضة للرعاية الصحية، وهو الحكم الذى استند إلى مسئولية الدولة عن علاج المواطنين الوارد فى الدستور. كما نجح نشاط اللجنة والمعارضة فى منع مجلس الشعب من تمرير قانون تحويل التأمين الصحى الاجتماعى إلى تأمين تجارى طوال دورة الانعقاد من 2005 وحتى 2010. وبلور ذلك النضال برنامجا لحق الشعب فى الصحة يبدأ بالدستور ثم بالمطالب المعبرة عن حق الشعب فى الصحة كما يلى:
أولا: تضمين الدستور الجديد المادتين التاليتين لضمان حق المواطنين فى الصحة
مادة      : تضمن الدولة حق جميع المصريين فى التمتع المتساوى بالخدمات الصحية لتحقيق أعلى مستوى ممكن من الصحة للجميع دون تفرقة، وإتاحة فرصة العلاج من جميع الأمراض لكل المواطنين وبصرف النظر عن مستواهم المادى، فالصحة مدخل ضرورى للتنمية، والشباب الأصحاء هم عدة الدفاع عن الوطن، ناهيك عن أن الصحة حق أساسى من حقوق الإنسان.
مادة      : تعمل الدولة على أن يتم تلبية هذا الحق فى التمتع بالرعاية الصحية من خلال تأمين صحى اجتماعى شامل لجميع المواطنين من جميع الأعمار وضد جميع الأمراض. وتعتمد الخدمات الصحية المقدمة فى الأساس على هيئات خدمية حكومية غير ربحية وغير تجارية وتخضع لرقابة الشعب وتعمل بشفافية وفى إطار ديمقراطى على تطوير خدماتها باستمرار.
ثانيا: البرنامج التنفيذى لتحقيق مطالب الشعب فى الرعاية الصحية العادلة:
1-    مضاعفة الإنفاق الحكومى ثلاثة أضعاف فورا من أقل من 5% إلى 15% من إجمالى الإنفاق الحكومى، كما تنص مقررات الألفية للأمم المتحدة والتى وافقت عليها مصر ضمن إعلان أبوجا بنيجيريا عام 2001.
2-    إنشاء نظام صحى وطنى متكامل وتأمين صحى اجتماعى شامل يشمل جميع السكان ويقدم الخدمة الشاملة المتساوية إلى جميع المواطنين ضد جميع الأمراض.
3-    يقوم التأمين الصحى أساسا على تقديم الخدمات الأساسية بواسطة هيئات غير هادفة للربح، ويبتعد عن تحويل الهيئات الحكومية غير الربحية إلى كيانات اقتصادية ربحية من نوع الشركة القابضة
4-    يتم توحيد هيكل الخدمات الصحية الحكومى من مستشفيات وزارة صحة ومختلف هيئاتها (مستشفيات عامة ومركزية ومتخصصة، مستشفيات ومعاهد تعليمية، مؤسسة علاجية، مراكز طبية متخصصة..) فى هيكل تأمينى موحد خدمى غير ربحى للقضاء على فوضى الرعاية الصحية القائمة، ويقوم التأمين الصحى بالتعاقد مع الجهات خارج هذا الهيكل (الجامعات، القطاع الخاص) بتعاقدات نزيهة وفى حدود الاحتياج مع الحرص على ألا تحتكر جهة خارجه وحدها أى نوع من الخدمات.
5-    هيكل أجور عادل لكافة أفراد الفريق الطبى من أطباء وتمريض وفنيين وإداريين وعمالة، يكفل لهم حياة كريمة لأن هذا- فضلا عن أنه حقهم الطبيعى- هو الوسيلة الفعالة لتحسين جودة الخدمات الطبية، وذلك بالطبع فى إطار هيكل عادل للأجور فى المجتمع يربط الأجور بالأسعار وبحد أدنى 1200 كما أقرته المحكمة، وبحد أقصى للأجر الشامل لا يتجاوز 15 ضعفا للحد الأدنى.
    
ابو العز الحريري



This E-mail message is intended to be received only by persons entitled to receive the confidential information it may contain.
If you have received this message in error, please forward it to the sender and delete it completely from your computer system.
EPROM Company does not guarantee that this E-mail has not been intercepted and amended or that is virus-free.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق